قادر تشارك في الجلسة الوطنية حول إحصاءات الإعاقة وتدعو إلى إعادة بناء المنظومة على نهج الشمول
شاركت مؤسسة قادر للتنمية المجتمعية في أعمال الطاولة المستديرة للجلسة الوطنية التشاورية المعنونة "إحصاءات الإعاقة في فلسطين: واقع التحديات ورؤية مستقبلية للإدماج" التي عُقدت في مقر وزارة التنمية الاجتماعية بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وبرنامج الغذاء العالمي، بمشاركة رسمية وأهلية شملت الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك بهدف استعراض المنهجيات وأدوات القياس الوطنية وفق المعايير الدولية، وتقييم التجارب السابقة، وتحليل الفجوات ومعوقات الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة في المسوح، وصولاً إلى بلورة خارطة وطنية مُستقبلية مُشتركة لأجل تطوير منظومة البيانات.
قدّمت المؤسسة خلال مشاركتها قراءة قانونية، حقوقية، سياساتية، مُعمّقة، أكدت فيها أن الإشكالية القائمة في فلسطين لم تعد تتعلق بنقص البيانات بقدر ما تتمثل في غياب منظومة وطنية مُتكاملة لإنتاج بيانات الإعاقة على نهج الشمول، بما يشمل الحَوكمة، والتكامل العابر للقطاعات، وربط البيانات بمسارات صُنع القرار. وأوضحت أن استمرار الاعتماد الفعلي على بيانات تعود إلى عام 2011، في ظل تحولات ميدانية كبرى وجرائم إبادة جماعية مستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023 وانعكاساتها الكارثية على الأشخاص ذوي الإعاقة، لا يُضعف مصداقية المؤشرات فحسب، بل يحدّ من قدرتها على الاستجابة ليس فقط على المستوى السياساتي وإنما أيضاً على مستوى المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة وضمان سُبل الانتصاف الفعّالة.
وأوضحت "قادر" أننا أمام أزمة بُنيوية مُتراكمة في نظام بيانات الإعاقة، لا يُمكن اختزالها في فجوات تقنية أو تطوير أدوات قياس، وتتطلب مُعالجة مُتعددة المستويات تقوم على مسار عملي من خمس طبقات مُترابطة:الطبقة الوطنية من خلال بناء نظام وطني مُوحّد لبيانات الإعاقة قائم على الحَوكمة والالتزام المؤسسي؛ والطبقة عبر القطاعية بما يضمن تكامل البيانات وتدفقها بين الجهات الحكومية واستخدامها الفعلي في التخطيط؛ والطبقة الدولية عبر تفعيل التزامات التعاون الدولي ونقل المعرفة وبناء القدرات وفق المعايير الدولية؛ وطبقة المشاركة عبر إعمال الالتزام القانوني بإشراك منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع مراحل إنتاج البيانات على نهج الشمول؛ وطبقة المساءلة بربط البيانات بمسارات الرصد والتوثيق والإثبات القانوني بما يضمن الانتصاف الفعّال وعدم الإفلات من العقاب، وهو ما يعكس عُمق الإشكالية واتساعها المؤسسي والقانوني.
وشددت "قادر" على أن الخلط المنهجي بين التعدادات العامة والمسوح المتخصصة يؤدي إلى إنتاج معرفة إحصائية ناقصة، ويقود إلى سياسات لا تعكس الاحتياجات الفعلية للأشخاص ذوي الإعاقة، لا سيما في سياقات النزاعات المسلحة وحالات الاحتلال والانتهاكات الجسيمة والجرائم الدولية التي استهدفتهم في فلسطين خلال العدوان. وأكدت أن التوجهات المستقبلية نحو التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت للعام 2027 لا تُغني عن المسح المتخصص على نهج شمول الإعاقة، ولا سيما بعد مرور خمسة عشر عاماً على أول وآخر مسح جرى عام 2011، كما ويُشكّل استحقاقاً قانونياً مُلزماً في ضوء انضمام دولة فلسطين إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ونشرها في الجريدة الرسمية بموجب القرار بقانون رقم (36) لسنة 2023، وما يترتب عليه من التزامات على الجهات الوطنية بموجب المادة (31) وعلى الجهات الدولية بموجب المادة (32) من الاتفاقية.
وأكدت "قادر" أنَّ الشراكة مع منظماتِ الأشخاصِ ذوي الإعاقة تُشكّل التزاماً قانونياً دولياً بموجب المادة (4) فقرة (3) من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، وليست مُجرد ممارسة تشاورية، وأنَّ إعمال هذا الالتزام يقتضي إدماج هذه المنظماتِ في جميعِ مراحل إنتاج البيانات، من التصميم إلى التنفيذ والتحليل، بما يضمن اعتماد عدسة الشمول القائمة على الحقوق. وأنَّ التركيز على أدوات القياس، بما في ذلك منهجيات مجموعة واشنطن، رغم أهميته الفنية، لا يُعوّض غياب نظام وطني لإنتاج البيانات واستخدامها وتداولها، يُبنى على نهج الشمول، ضمن طبقاتٍ متكاملةٍ من المعالجة المؤسسية والقانونية.
وفي السياق القانوني، أكدت المؤسسة أن الإطار التشريعي الفلسطيني في مجال الإعاقة، ورغم قِدمه، فإنه يتضمن مُرتكزات قائمة في قانون حقوق المعوقين لسنة 1999 الذي ينص في المادة (7) على أساس قانوني واضح لإنتاج وتدفق المعلومات والبيانات على نحو عابر للقطاعات بين الجهات الرسمية، وما نص عليه قانون الإحصاءات العامة لسنة 2000 وقرار مجلس الوزراء 2005 باللوائح المُكمِّلة له وقراءتها المتقاطعة مع تشريعات الإعاقة. ومع ذلك فإن هذه النصوص لم يتم تفعيلها بما يضمن تدفقاً مُؤسسياً للبيانات، الأمر الذي يُفسّر استمرار الفجوات رغم وضوحها منذ سنوات. وقد تعمّقت هذه الفجوة رغم الانضمام إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) ونشرها في الجريدة الرسمية وسُموها على التشريعات الوطنية.
وأكدت "قادر" استعدادها الكامل للدخول في شراكة مؤسسية عميقة لمعالجة هذه الفجوة البُنيوية؛ بما يشمل تطوير الدراسات والأبحاث، وتنفيذ برامج تدريب مُتخصصة وبناء القدرات على نهج شمول الإعاقة كعدسة لإنتاج البيانات وتحليلها، وتعزيز منظومات الرصد والتوثيق وفق معايير الأمم المتحدة ومعايير الإثبات المعتمدة لدى المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب تزويد الجهات الشريكة الوطنية والدولية بالأوراق التحليلية والدعم الفني اللازم، بما يشمل المساهمة في تصميم المؤشرات الوطنية، وتطوير أدوات جمع البيانات، وصولاً إلى إنتاج بيانات قابلة للاستخدام في التخطيط والمساءلة. وأعلنت "قادر" عن قرب إطلاق الدليل المرجعي لأساسيات القانون الدولي وأدوات الرصد والتوثيق والمساءلة من منظور شمول الإعاقة (إصدار 2026) بوصفه مرجعاً رائداً وطنياً ودولياً، يُسهم في توحيد المفاهيم وجودة البيانات وربطها بمسارات المساءلة والعدالة.
وفي ضوء ما سبق، وانطلاقاً من الحاجة إلى الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ الفعلي، طرحت "قادر" في ختام مشاركتها في اللقاء الوطني التشاوري التوصيات التالية بوصفها مساراً عملياً لإعادة بناء منظومة بيانات مُصنّفة للإعاقة على نهج الشمول:
1. تأسيس نظام وطني ملزم لبيانات الإعاقة قائم على الحَوكمة والتكامل العابر للقطاعات وربط البيانات بصنع القرار.
2. تفعيل النصوص القانونية القائمة لضمان تدفق البيانات الإدارية بشكل دوري ومنهجي بين الجهات الرسمية.
3. مأسسة الشراكة الوطنية وتحديد الأدوار والمسؤوليات بما يشمل منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في إنتاج البيانات.
4. تنفيذ مسح وطني متخصص للإعاقة على نهج الشمول كاستحقاق قانوني بعد مرور (15) عاماً على المسح الأخير.
5. التمييز المنهجي بين التعدادات العامة والمسوح المتخصصة وضمان عدم استبدال أحدهما في التوجهات المستقبلية.
6. اعتماد مجموعة واشنطن (Washington Group) كأداة لقياس الصعوبات الوظيفية ضمن نهج شمول الإعاقة وبما ينسجم مع اتفاقية (CRPD) بالشراكة مع منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة لضمان دقة المفاهيم وربط البيانات بنهج الشمول.
7. ربط بيانات الإعاقة بمسارات المساءلة القانونية وضمان قابليتها للاستخدام في الإثبات القائم على الأدلة والانتصاف.
8. بناء القدرات الوطنية المتخصصة في مجالات الرصد والتوثيق وفق معايير الأمم المتحدة ومعايير الأدلة الدولية.
9. مواءمة الإطار التشريعي الإحصائي مع الالتزامات الدولية بعد انضمام دولة فلسطين للاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
10. إقرار النشر الدوري والتحديث المستمر لبيانات الإعاقة ضمن إطار وطني مُلزم، بما يُعزز الشفافية وتدفق المعلومات، ويُسهم في تحديد الأولويات السياساتية، وبناء استراتيجية وطنية على نهج شمول الإعاقة، ودعم مسارات المساءلة والإنصاف.
إنَّ التحدّي في فلسطين لا يكمن في كم عدد الأشخاص ذوي الإعاقة، بل في نظامٍ قادرٍ على رؤيتهم وقياس واقعهم بعدسة الشمول، وتحويل معاناتهم إلى سياساتٍ وحقوقٍ ومساءلةٍ؛ فحين تُبنى منظومة البيانات دون نهج شمول الإعاقة، يصبح الغياب جزءاً من بُنية الحماية نفسها، وحين تعجز البيانات عن رؤيتهم، تعجز السياسات عن حمايتهم، وتفشل العدالة في إنصافهم.