قادر في الندوة الإقليمية: حماية الأطفال في النزاعات لا تكتمل دون الشمول والمساءلة الفعلية
شاركت مؤسسة قادر في الندوة الإقليمية حول حماية الأطفال في النزاعات المسلحة: من الإطار القانوني إلى التطبيق العملي، في لحظة إقليمية فارقة تتكثف فيها الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال، وتتسع فيها الفجوة بين القواعد القانونية الدولية وواقع إنفاذها على الأرض، ولا سيما في فلسطين، مع استمرار جرائم الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الدولية في قطاع غزة وكامل الأرض الفلسطينية المحتلة، وما تُخلّفه من آثار كارثية مُضاعفة على الأطفال، وبخاصة الأطفال ذوي الإعاقة.
وقد أكدت مؤسسة قادر أن ما يتعرض له الأطفال في سياقات النزاع لم يعد بالإمكان توصيفه باعتباره آثاراً جانبية للنزاعات المسلحة، بل هو نمط استهداف منهجي ومباشر وواسع النطاق، وتعد الحالة الفلسطينية المثال الأوضح بتأكيد الأمم المتحدة التي اعتبرت قطاع غزة المكان الأخطر على الأطفال في العالم، في ظل جرائم القتل العمد التي استهدفت ما يُقارب عشرين ألف طفل، وخلّفت آلاف الإعاقات في صفوفهم، إلى جانب سياسات التجويع، والاضطهاد، وجرائم التهجير القسري، والفصل العنصري، والحرمان من الخدمات الأساسية وغيرها من الانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال الاستعماري، وآثارها المضاعفة على الأطفال، ولا سيما الأطفال ذوي الإعاقة، الأمر الذي يَفرض التزاماً بتعزيز منظومة الحماية وتفعيل المساءلة وسُبل الإنصاف.
وشددت "قادر" على أن الإطار القانوني الدولي، رغم وضوحه وتطوره، يُواجه أزمة حقيقية في مرحلة الإنفاذ، حيث تتراكم الأدلة وتتعدد التقارير، بينما تتعثر مسارات المساءلة، وتتأخر العدالة، ويُترك الأطفال وأُسرهم في مواجهة آثار كارثية طويلة الأمد، بما يعكس خللاً عميقاً في الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وفي فعالية التنفيذ والرقابة والمساءلة.
وأوضحت المؤسسة في مداخلتها الرئيسية أن الانتقال من التوثيق إلى المساءلة لا يزال يُمثل الحلقة الأضعف في منظومة الحماية، رغم الجهود المبذولة، وهو ما يتطلب تطوير أدوات التوثيق بما يضمن جودة الأدلة وقابليتها للاستخدام القضائي، وتعزيز الربط بين عمل منظمات المجتمع المدني والآليات القضائية الوطنية والدولية، بما يُفضي إلى مساءلة فعلية لا شكلية.
وشددت مؤسسة قادر على أن نهج شمول الإعاقة يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من أي استجابة قانونية أو إنسانية، حيث يواجه الأطفال ذوو الإعاقة مخاطر مُضاعفة في النزاعات المسلحة، ليس فقط من حيث التعرض للانتهاكات الجسيمة، بل أيضاً من حيث الإقصاء من الحقوق والمتطلبات الأساسية، وخدمات الحماية والإغاثة، وغياب البيانات المُصنّفة، وعدم مواءمة التدخلات لاحتياجاتهم، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وأكدت "قادر" على أن الأثر النفسي والاجتماعي للنزاعات المسلحة على الأطفال لا يقل خطورة عن الانتهاكات الجسدية، بل يمتد ليُشكّل نُدوباً عميقة وطويلة الأمد، تشمل اضطرابات الصدمة وفقدان الأمان، وتدهور الحالة الصحية، وفرص التعليم، والحياة الكريمة، مع آثار مُضاعفة على الأطفال ذوي الإعاقة الذين يواجهون تحديات مُركبة في الوصول إلى خدمات الدعم والرعاية. وعلى ضرورة إعادة بناء نهج الأمم المتحدة على نهج شمول الإعاقة في مجال الاستجابة الإنسانية والحماية والمساءلة.
وانطلاقاً من ذلك، تؤكد مؤسسة قادر للتنمية المجتمعية أن حماية الأطفال في النزاعات المسلحة لن تتحقق من خلال النصوص وحدها، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية من الدول ومنظومة الأمم المتحدة، وآليات مساءلة فعّالة ونافذة، ونهجاً تكاملياً يربط بين القانون والسياسات والممارسة الميدانية، بما يضمن تحويل الالتزامات القانونية إلى حماية فعلية وملموسة على أرض الواقع، ويضع حداً للفجوة العميقة القائمة بين الاعتراف القانوني والانكشاف العملي للأطفال في النزاعات المسلحة.
وقدّمت مؤسسة قادر توصياتها في ختام مشاركتها في الندوة الإقليمية، مُؤكدة من خلالها على ما يلي:
1. تفعيل آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك التعاون الفعّال مع لجان التحقيق الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وتفعيل الولاية القضائية العالمية، بما يضمن ملاحقة مرتكبي الانتهاكات والجرائم الدولية بحق الأطفال وعدم إفلاتهم من العقاب.
2. تعزيز دور آليات الأمم المتحدة، بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني، في التوثيق المبني على الأدلة وسلسلة الحيازة (Chain of Custody) والتقنيات الحديثة مع مراعاة نهج شمول الإعاقة، وضمان تحويل التقارير إلى أدوات ضغط فعّالة نحو المساءلة.
3. تطوير منظومات الرصد والتوثيق بما يضمن جودة الأدلة وقابليتها للاستخدام القضائي، وتعزيز الربط المؤسسي بين التوثيق والمسارات القضائية، واعتماد شمول الإعاقة عدسة تحليل جوهرية لفهم الانتهاكات التي تستهدف الأطفال وتوثيقها ميدانياً.
4. مأسسة التعاون بين منظمات المجتمع المدني والجهات الرسمية لتكامل الجهود وتعظيم الأثر في حماية الأطفال، وفي مقدمتهم الأطفال ذوي الإعاقة، على مستوى المُسوحات المتخصصة وقواعد البيانات والتوثيق والتحليل ومسارات المساءلة.
5. اعتماد نهج شمول الإعاقة كإطار مُلزم، وعابر للقطاعات، في جميع مراحل الاستجابة، بما يشمل الرصد والتوثيق، والإغاثة، وإعادة التأهيل، والمساءلة، من خلال ضمان إمكانية الوصول، وتوفير الترتيبات التيسيرية اللازمة، وتطوير أدوات وبرامج تُراعي التنوع في مجال الإعاقات، وبما يضمن عدم إقصاء الأطفال ذوي الإعاقة وإدماجهم على قدم المساواة في جميع أنواع التدخلات.
6. إدماج الدعم النفسي والاجتماعي كعنصر أساسي في الاستجابة الإنسانية، مع تطوير برامج مُتخصصة لمعالجة الآثار طويلة الأمد للنزاعات على الأطفال، وإيلاء اهتمام خاص بالأطفال ذوي الإعاقة في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، نظراً للآثار المركبة التي يتعرضون لها، وضمان وصولهم إلى خدمات مناسبة وآمنة، وتعزيز الترتيبات التيسيرية وإمكانية الوصول ومنهج الشمول.
7. دعم الأُسر ومقدمي الرعاية كجزء من منظومة التعافي، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع آثار النزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة على الأطفال، والآثار المضاعفة والمركبة على الأطفال ذوي الإعاقة بمختلف الإعاقات، وتعزيز الحماية والإنصاف.
8. مواءمة التشريعات والسياسات الوطنية مع المعايير الدولية، بما يشمل اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ويضمن حماية فعّالة وشاملة للأطفال بجميع الأوقات، وخاصة في حالات النزاع والاحتلال الاستعماري.
9. ضرورة العمل على إنشاء "مرصد إقليمي لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة" بالشراكة مع منظومة الأمم المتحدة، كمظلة إقليمية لتعزيز الحماية والعمل الجماعي، وبما يضمن بيانات مُصنّفة وأدوات توثيق مُتقدمة ومسارات للمساءلة والإنصاف.
وتؤكد مؤسسة قادر أن مشاركتها على المستوى الإقليمي لا تُشكّل محطة ختامية، بل نقطة انطلاق نحو عمل مؤسسي أكثر صرامة وفاعلية، يقوم على تحويل الالتزامات القانونية إلى واقع ملموس، وضمان أن تبقى حماية الأطفال أولوية لا تخضع لسياسات ازدواجية المعايير. فالتاريخ لا يُسجل فقط مَن ارتكب الجرائم بل يُسجل أيضاً مَن امتلك القدرة على وقفها ولم يفعل.