ورقة موقف استراتيجية: إعادة بناء نهج الأمم المتحدة لشمول الإعاقة في فلسطين بعد الإبادة الجماعية
تأتي هذه الورقة في لحظة تاريخية غير مسبوقة على الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، حيث تتقاطع الإبادة الجماعية وسياسات التجويع والتهجير القسري ونظام الفصل العنصري مع انهيار شبه كامل لمنظومات الحماية والخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، تُشكّل قدرة منظومة الأمم المتحدة على إعادة بناء نهج شمول الإعاقة اختباراً حقيقياً لالتزامها بمرجعيات القانون الدولي، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، واستراتيجية إدماج الإعاقة الأممية (UNDIS)، وفتوى محكمة العدل الدولية (ICJ) الصادرة بتاريخ 19 تموز/يوليو 2024، وقرار الجمعية العامة الصادر بتاريخ 18 أيلول/سبتمبر 2024 المتعلقين بعدم شرعية الاحتلال والمسؤوليات المترتبة على جميع الدول وهيئات الأمم المتحدة ووكالاتها.
ويُعدّ الاجتماع التشاوري السنوي بين المنسّق المقيم للأمم المتحدة وفريق الأمم المتحدة القطري ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة أحد هذه الاختبارات الجوهرية، إذ لا ينبغي أن يُختزل في كونه حدثاً إجرائياً، بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه التزاماً قانونياً نابعاً من واجبات منظومة الأمم المتحدة بموجب اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، واستراتيجية إدماج الإعاقة الأممية (UNDIS)، وقرار مجلس الأمن 2475 (2019) بشأن حماية الأشخاص ذوي الإعاقة في النزاعات المسلحة، وفتوى محكمة العدل الدولية لعام 2024 وقرار الجمعية العامة المرتبط بها، اللذين يؤكدان عدم شرعية الاحتلال ويفرضان التزامات محددة على جميع الدول وهيئات الأمم المتحدة ووكالاتها.
تكشف القراءة النقدية للمذكرة المفاهيمية للجلسة التشاورية عن مقاربة قائمة على "الحدّ الأدنى": لغة مُخفّفة تجاه جرائم الإبادة الجماعية في غزة، اختزال الانهيار البنيوي إلى "تحدّيات" تشغيلية، تغييب الإطار القانوني الدولي الأشدّ صلة بالسياق الفلسطيني، وتقديم الاجتماع السنوي بوصفه استيفاءً لمتطلب إجرائي في "بطاقة قياس الإدماج" بدل كونه مساراً لمأسسة الشراكة والمساءلة. كما يظهر التقرير التحليلي لوضع الإعاقة (SITAN) – رغم أهميته – بوصفه أداة لم تُستثمر، ولم تُحوَّل نتائجه إلى التزامات أو خطط عمل، وأُنكر أثر الإبادة الجماعية على البيانات، إذ استند إلى تعداد السكان 2017 في سياق تغيُّر جذري بفعل الدمار واسع النطاق في غزة.
في ضوء ذلك، ترسم هذه الورقة التحليلية أربع أولويات بنيوية لا يمكن لأي نهج أُممي تجاوزها:
(1) مأسسة شمول الإعاقة داخل منظومة الأمم المتحدة وربطه بمستويات اتخاذ القرار؛
(2) الاستثمار في البنية المؤسسية لمنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفها شركاء بنيويين لا "مُستفيدين"؛
(3) إعادة بناء منظومة البيانات باستخدام أدوات منهجية معتمَدة دولياً تستجيب للإعاقات الجديدة والمتفاقمة بفعل جرائم الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الدولية لأكثر من عامين بشهادة خبراء الأمم المتحدة والقضاء الدولي.
(4) إدراج مسألة الإعاقة في صلب تصميم خطط التعافي وإعادة الإعمار، بدل التعامل معها كبند لاحق أو ملحق تنفيذي.
وتُقدّم الورقة، بالاستناد إلى هذا التحليل، حُزمة توصيات عملية للمُنسق المقيم وفريق الأمم المتحدة القطري، تشمل: جعل الإعاقة مِحوراً بُنيوياً في تخطيط التعافي؛ ومأسسة القيادة الأممية لشمول الإعاقة وربطها بال Clusters؛ وتخصيص تمويل مُتعدد السنوات لمنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة؛ وتطوير منظومة بيانات وطنية -أممية مُشتركة؛ ومواءمة المسارات الإنسانية مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة CRPD؛ وإنشاء آلية متابعة ومساءلة مُتعدّدة المستويات، مع إصدار تقارير فصلية دورية وشفافة؛ وتضمين البعد القانوني للإبادة الجماعية في التخطيط الأُممي.
لا تطرح هذه الورقة التحليلية نقداً إجرائياً، بل إعادة تعريف كاملة للنهج الأُممي تجاه الإعاقة في فلسطين. فمستقبل شمول الإعاقة مرهونٌ بالقيادة، والمأسسة، والمساءلة. ومن دونها سيبقى الاجتماع السنوي "التشاوري" محطة شكلية، وسيظل منهج شمول الإعاقة في الهامش داخل كارثة تتسع يومياً. أمّا إذا جرى التعامل مع ما تُقدّمه الورقة بوصفه مساراً استراتيجياً، فإن منظومة الأمم المتحدة قادرة على الانتقال من الالتزام اللفظي إلى الاستجابة الفعلية، وعلى بناء نهج جديد قائم على الكرامة والعدالة والشمول ولا يترك الأشخاص ذوي الإعاقة خارج المشهد مرة أخرى.