صوت الناجين من لاهاي: الإبادة الجماعية المستمرة أمام العدالة الدولية

صوت الناجين من لاهاي: الإبادة الجماعية المستمرة أمام العدالة الدولية
02 فبراير, 2026

شاركت مؤسسة قادر للتنمية المجتمعية في فعالية "حوار الناجين ومسارات العدالة" التي عُقدت في لاهاي، بدعوة من مؤسسة legal Action Worldwide، على هامش الجلسات التي عقدتها محكمة العدل الدولية (ICJ) منذ 12 كانون الثاني/يناير 2026، والمتصلة بنظر المحكمة في دعوى غامبيا ضد ميانمار بشأن جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة بحق الروهينغا، اتصالاً بالدعوى المقامة من جنوب إفريقيا ضد إسرائيل والتدابير الصادرة عن المحكمة بهذا الخصوص. وجاءت المشاركة في سياق قانوني - حقوقي يهدف إلى إعادة الاعتبار لصوت الناجين داخل نقاش العدالة الدولية، وربط مسارات المساءلة بالتجربة الحياتية للضحايا، في ظل استمرار الجرائم واتساع الفجوة بين الاعتراف القانوني وتوفير الحماية الفعلية.

أكدت مؤسسة قادر في مداخلتها أن الوقائع محل النقاش لا يُمكن فهمها بوصفها حدثاً عابراً أو انتهاكات جسيمة معزولة، بل تندرج ضمن مفهوم الإبادة الجماعية كجريمة مستمرة بأركانها وصورها، من منظور القانون الجنائي الدولي، كما هو مُبيَّن في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ونظام روما. فالإبادة الجماعية لا تُختزل في صورة واحدة، بل تشمل أنماطاً مُتكاملة من السلوك، ومن بينها التجويع، والحصار، والتهجير القسري، وإخضاع جماعة بشرية لظروف يُراد بها إهلاكها كلياً أو جزئياً. ويُعد هذا التوصيف معياراً قانونياً قائماً بذاته، لا توصيفاً جَدلياً أو إنشائياً، ويعكس طبيعة هذه الجريمة واستمراريتها عبر الزمن.

وفي هذا الإطار، شددت "قادر" على أن تصوّرات الناجين من جحيم الإبادة الجماعية في فلسطين وميانمار والبوسنة ودارفور، وأينما وُجدوا، تجاه مسارات العدالة الدولية تتشكّل انطلاقاً من تجاربهم المباشرة ومعاناتهم المستمرة مع جريمة الجرائم، لا من مجرد الاعترافات القانونية المجردة. فالناجون ينظرون إلى العدالة بوصفها مساراً يُفترض أن يوفر لهم الحماية ويوقف الإبادة الجماعية، لا أن يكتفي بتوصيفها أو تأجيل آثارها. ومن هنا، فإن أي مسار عدالة دولية لا ينعكس أثره في الواقع المعيشي للضحايا، ولا يضع حداً لآلامهم ومعاناتهم المستمرة، يبقى في نظرهم مساراً منقوصاً، مهما بلغت أهميته القانونية أو الرمزية.

وختمت مؤسسة قادر مشاركتها في حوار الضحايا في لاهاي بالتأكيد على أن حماية ضحايا الإبادة الجماعية ودعمهم وتمكينهم وإنصافهم، في فلسطين وأينما كانوا في العالم، تُشكل مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق جميع دول العالم وأجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها، إذ إن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ ولا تخضع للاعتبارات الانتقائية أو مَصلحية. وشددت المؤسسة على أن الاستجابة الدولية لا ينبغي أن تقتصر على بيانات لا تتعدى توصيف الجريمة أو استنكارها، بل يجب أن تنصرف إلى تفكيك بُنيتها، وقمعها، وضمان مساءلة مُرتكبيها وإنصاف الضحايا، واتخاذ تدابير فعّالة تحول دون استمرارها أو الإفلات من العقاب.

وانطلاقاً من ذلك، قدَّمت "قادر" خلال هذا الحوار الدولي جملة من التصوّرات والتوصيات الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الحماية الفعّالة، وحفظ الذاكرة والأدلة في جرائم لا تسقط بالتقادم، وتمكين الضحايا من أن يكونوا شركاء فاعلين في مسار العدالة، لا مجرد موضوعات لها، مُؤكِّدة استعدادها لوضع خبراتها القانونية والحقوقية المتخصصة في خدمة هذه المسارات.

التوصيات والتصوّرات الاستراتيجية لحماية الضحايا وتعزيز مسارات العدالة

اعتماد المسار القضائي ضمن حُزمة مسارات متكاملة للعدالة

تأكيد أهمية مسار محكمة العدل الدولية باعتبارها الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة كأداة مركزية لمساءلة الدول عن جريمة الإبادة الجماعية، مع التشديد على أن فاعلية هذا المسار لا تتحقق بمعزل عن مسارات مُكمّلة، سياسية ودبلوماسية واقتصادية وإنسانية، تُفعّل التدابير القضائية وتمنحها أثراً وقائياً وعملياً. فالمسار القضائي، رغم مركزيته، يظل محدود الأثر ما لم يُربط بآليات تنفيذ وحماية ووسائل ضغط فعّالة، تضمن وقف الجريمة، وحماية الضحايا، وعدم الإفلات من العقاب.

إنشاء مرصد دولي مستقل للإبادة الجماعية

الدعوة إلى إنشاء مرصد دولي مستقل يُشكّل مِظلّة جامعة لحفظ الذاكرة الجماعية لضحايا الإبادة الجماعية في العالم، ومِنصّة دائمة لصوت الناجين، ورصد الأنماط المستمرة لجريمة الإبادة الجماعية بمختلف صورها، بعيداً عن اختزالها في لحظات الذروة أو القتل المباشر. بحيث يهدف هذا المرصد المقترح إلى توحيد الجهود الدولية، وتعزيز فعالية الموارد المشتركة، وربط التوثيق بالمناصرة والمساءلة، بما يضمن مقاربة شاملة وغير انتقائية لحماية الضحايا، دون تمييز أو ازدواجية في المعايير.

وحدة دولية للرصد والتوثيق تحت مظلة المرصد

إنشاء وحدة متخصصة تتولى جمع وتصنيف وحفظ الأدلة المتعلقة بالجرائم الدولية وفق المعايير الجنائية المعتمدة وسلسلة الحيازة، بما يضمن جودة الأدلة، وعدم ضياعها، وعدم تقادم الجرائم الدولية، وإمكانية استخدامها مستقبلاً في مسارات المساءلة الدولية والوطنية. ويستند هذا التصور إلى نماذج دولية قائمة في لاهاي؛ من بينها International Centre for the Prosecution of the Crime of Aggression against Ukraine (ICPA) المنشأ تحت مظلة Eurojust، بما يؤكد إمكانية اعتماد آليات مهنية مماثلة لحفظ الأدلة وحماية الضحايا، ويكشف في الوقت ذاته الانتقائية القائمة في تفعيل أدوات العدالة الدولية.

إشراك الناجين كشركاء في مسار العدالة بأكمله

الانتقال من التعامل مع الناجين من الإبادة الجماعية باعتبارهم مصادر إفادات فقط، إلى الاعتراف بدورهم كشركاء فاعلين في التوثيق، وصياغة الأولويات، والمناصرة، وحفظ الذاكرة، بما يُعيد للعدالة بُعدها الإنساني ويُعزّز مشروعيتها وصدقيتها.

ربط التدابير القضائية بآليات تنفيذ وحماية فعّالة

تحويل التدابير والأوامر المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية (ICJ) في الحالة الفلسطينية وفي قضية غامبيا ضد ميانمار، من مجرد اعترافات قانونية بخطورة الأوضاع إلى أدوات حماية ملموسة وفعّالة على أرض الواقع. ويقتضي ذلك إنشاء آليات متابعة واضحة وشفافة، وتحديد مسؤوليات الامتثال بدقة، وتفعيل التزامات الدول الأطراف بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، بما يضمن إنفاذ التدابير، وحماية الضحايا، ومنع استمرار الجرائم الدولية أو ثقافة الإفلات من العقاب.

تحميل الدول الأطراف الثالثة مسؤولياتها القانونية

التأكيد على واجب جميع الدول في الامتناع عن أي شكل من أشكال المساهمة أو التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية على أي نحو كان، واتخاذ تدابير عملية فعّالة لضمان الامتثال للتدابير القضائية الدولية، بما يشمل الضغط الدبلوماسي الفعّال، وتقييد أشكال الدعم، ووقف أي مساهمة مباشرة أو غير مباشرة تُسهّل استمرار الجرائم الدولية أو الإفلات من العقاب.

إطلاق حملات مناصرة دولية مبنية على التوثيق المُصنَّف قانونياً

إطلاق حملات مناصرة دولية تستند إلى بيانات موثوقة ومُصنَّفة وفق معايير الرصد المعتمدة لدى الأمم المتحدة ومعايير المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، بما يضمن جودة الأدلة وموثوقيتها وقابليتها للاستخدام في المسارات القضائية والمناصرة، ويُعيد مركزية معاناة الضحايا، ولا سيما في جرائم الإبادة الجماعية، إلى صلب النقاش الدولي، بعيداً عن الانتقائية والتسييس.

مأسسة روايات الضحايا داخل مسارات العدالة والمناصرة

ضمان إدماج شهادات الضحايا والناجين/ات بوصفها مُكوّناً أصيلاً ومركزياً في السردية القانونية والحقوقية، بما يمنع اختزال المعاناة الإنسانية في أرقام أو توصيفات تقنية مُجرّدة، ويصون البعد الإنساني والأخلاقي للعدالة، ويُعزّز صدقيتها واستدامتها.

وختاماً،

فإن التاريخ لا يُسجّل فقط مَن ارتكب الجرائم الدولية، وعلى رأسها جريمة الإبادة الجماعية (جريمة الجرائم)، بل يُسجّل أيضاً مَن كان قادراً على منعها أو وقفها ولم يفعل، أو تواطأ بصمته أو بازدواجية معاييره. والعدالة الحقيقية ليست تلك التي تكتفي بشجب الجريمة بعد وقوعها، بل تلك التي تُترجَم إلى حماية فعلية للضحايا، وتمنع تكرار الجرائم، وتصون الذاكرة من النسيان.